إختاروا ملكاً من الطريق

إختاروا ملكاً من الطريق، روي أنه كان رجل في بني إسرائيل سافر عن طريق البحر فهبّت ريح شديدة فضربت السفينة على جبل فانكسرت وغرق أهلها، فتمسك الرجل بخشبة وخرج إلى ساحل البحر، فذهب حتى قرب مصراً في جزيرة فإذا رأى جمعاً غفيراً من الوزراء والأمراء راكبين في الصحراء فلما رأوه نزلوا من المراكب، ودنوا منه ووضعوا على رأسه تاج الملك ولباس السلطنة وقرّبوا إليه مركب السلطان، وجاءوا معه بإعزاز وإكرام يليق بالسلطان حتى أجلسوه على سرير السلطنة، وسلّموا إليه مفاتيح الخزائن والملك، وانقادوا له، وتعاملوا معه معاملة السلطان، فكان الرجل يتعجب من ذلك كله، ويقول في نفسه فيه سر، فتصدى لأمور السلطنة ومشى مشى مليك مقتدر، حتى مضى عليه زمان وأيام، فتفكر ليلة في نفسه، وقال: إن الله نجاني من الغرق وأعطاني سرير الملك والعرّة والإقتدار فينبغي أن لا أكون غافلاً عن عاقبة أمرى ما يفعل بي، فلعلّ هذا الملك والإقتدار أخذ مني، فلا بد من أن أدبّر تدبيراً ليوم يؤخذ مني هذا الإقتدار والملك، ونظر في الوزراء والأمراء، وأخذ منهم رجلاً كان أعقلهم وأكيسهم، وجعله وزيراً ومحلاً لأسراره، فقال له ليلة في خلوة: يا أخي وصديقي قل لي سرّ هذا العمل وأحوال هذا الملك، وما عاقبته؟ فامتنع الوزير قال:

أيّها الملك لا تسئلني عن سر ذلك فإنه ينغّص عيشك. فقال له: أنت صديقي ومحبي فلا بد لك أن تخبرني به حتى أمهّد له تمهيداً، وأعالجه في حال إقتداري فلما رأى الوزير أن الملك رجل عاقل يلاحظ عاقبة الأمر ومآله ولم يكن غافلا مغتنماً بما فيه قال: إعلم أيها الملك ان طريقة أهل هذا المصر وعادتهم أن لهم في كل سنة يوم يجتمع الناس كلهم في هذا اليوم فيأخذون سلطانهم فيرمونه في هذا البحر الذي كان في طرف المصر ثم يخرجون في يوم بعده في البادية ويأخذون غريباً لا يعلم بالحال وبعادتهم ويجعلونه سلطاناً كما فعلوا بك إلى السنة الآتية، ثم يعامل معه هذه المعاملة في اليوم الموعود.

فقال الملك: يا أخي بيدنا الآن القدرة والإختيار والإقتدار التامّ، فيجب علينا أن: نمهّد لهذا اليوم تمهيداً أو علاجاً فقل: ما التدبير في ذلك؟ فقال الوزير: إن في طرف هذا البحر جزيرة جيّدة خضراء في كل الفصول والأوان، فالتدبير والعلاج أن نرسل إليها من البتائين والعاملين خلقاً كثيراً ليبنوا لنا مصراً وقصوراً رفيعة ودوراً عالية ومساكن طيبّة وغيرها مما نحتاج إليها، ثم نرسل وننقل إليها نفايس أمتعتنا وأجناسنا وأموالنا من النقود والخزائن والجواهر والغلمان والنسوان والدواب والمآكل والمشارب والملابس وغيرها مما نحتاج هناك، ونأمر أن يعملوا لنا زوارق وسفن ونرسل إليها الملاحين، ثم لما قرب اليوم الموعود فأذهب أنا وأرسل الملاّحين مع السفينات على البحر قرب هذا المصر منتشرين منتظرين، فلما أخذوك وألقوك في البحر بادروا إليك في السفينات وجاؤا بك في مصرنا الذي بنيناه بأيدينا، ونتعيّش فيه بفراغ البال وحسن الأحوال ما دمنا كنا أحياء. فاشتغلا بذلك التدبير ولم يفترا في اتمامه حتى أتما هذه الأمور كلها في زمان قليل لشدّة إقتدارهما فلما جائت ليلة اليوم الموعود أخبر الوزير الملك، وذهب هو إلى المصر في الليلة، وأرسل الملاّحين والغلمان أصحاب القوّة مع السفن في البحر كما قال:

وذهب هو معهم فانتشروا حول المصر حتى إجتمع الناس، وأخذوا الملك وألقوه في البحر، فبادر الملاّحون والغلمان وأخذوه في السفينة وجاؤا به إلى المصر فعاشا فيه بما إدخرا لأنفسهما، فاعتبر يا أخي من هذا الرجل ومن الوزير الذي هو بمنزلة العقل، وهيّئَ لنفسك جميع ما تحتاج إليه حين يلقاك ملك الموت وأولادك واخوانك وأعوانك في بحر التراب والنشأة الآخرة. (لئالئ الأخبار)