قال عبيد بن شرية: كنت عند قوم وبينما أنا في ديارهم مات أحدهم وكان يدعى جبلة بن الحويرث، فمشيت معهم في جنازته، وعندما أنزل في قبره، وبكته النساء، أتتني عبرة لم أستطع التوقف عن التفكير فيها، وكنت قد سمعتها من قبل.
يَا قَلْبُ إِنَّكَ مِنْ أَسْمَـاءَ مَغْرُورُ فَاذْكُرْ وَهَلْ يَنْفَعَنْكَ الْيَوْمَ تَذْكِيرُ
قَدْ بُحْتَ بِالْحُبِّ مَا تُخْفِيهِ مِنْ أَحَـدٍ حَتَّىٰ جَرَتْ بِكَ إِطْلاقَاً مَحَاضِيرُ
تَبْغِي أُمُوراً فَمَا تَدْرِي أَعَاجِلَهَـا أَدْنَىٰ لِرُشْدِكَ أَمْ مَا فِيهِ تَأْخِيرُ
فَاسْتَقْدِرِ اللَّهَ خَيْراً وَارْضَيَنَّ بِـهِ فَبَيْنَمَا الْعُسْرُ إِذْ دَارَتْ مَيَاسِيرُ
وَبَيْنَمَا الْمَرْءُ فِي الأَحْيَاءِ مُغْتَبِطٌ إِذْ صَارَ فِي الرَّمْسِ تَعْفُوهُ الأَعَاصِيرُ
يَبْكِي الْغَرِيبُ عَلَيْهِ لَيْسَ يَعْرِفُـهُ وَذُو قَرَابَتِهِ فِي الْحَيِّ مَسْرُورُ
حَتَّىٰ كَأنْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا تَذَكُّرُهُ وَالدَّهْرُ في أَيْنَمَا حَالٍ دَهَارِيرُ
عندما كنت أردد هذه الأبيات، امتلأت عيناي بالبكاء ولم أستطيع إيقاف دموعي، فأنتبه لي الرجل الذي بجانبي وقال لي:
هل تعرف من قال هذه الأبيات؟
فقلت له: لا والله إني لا أعرفه.
فقال لي: إنه الرجل الذي قد قمنا بدفنه، وأنت تبكيه وتقول شعره وأنت لا تعرفه، ثم قال لي هل ترى ذلك الرجل المسرور هنالك.
فقلت له نعم، ولم هو مسرور؟
فقال لي : إنه من أقربائه وقد كان يكرهه لفصاحة لسانه واليوم هو مسرور لوفاته.
