يا قلب ما عندك دفاتر ولا أقلام

يا قلب ما عندك دفاتر ولا أقلام *** وشلون دائم تحتفظ بالحنيني

يا قلب الناس نسيت اللي مضئ العام *** وانت ما تنسئ اللي مضئ من سنيني

يا قلب ما تناسيت طولات ليام *** ولا تنسئ اللي تحت اللحد ساكنيني

ياقلب ليه عايش بلحطام *** خبرك لطيب المنازل فطيني

مقدمة

ليس كل ألمٍ يُرى، فبعض الأوجاع تختبئ في زوايا القلب حيث لا تصل الأنظار. هناك ذكريات لا تمحوها الأعوام، وأشخاص رحلوا بأجسادهم لكنهم بقوا أحياء في الوجدان، حتى أصبح حضورهم في الروح أقوى من غيابهم في الواقع. وبينما تمضي الحياة بالناس نحو النسيان، يظل بعض القلوب عالقاً عند محطة قديمة، يحمل صور الأحبة، ويحرس تفاصيل الأيام الجميلة كأنها كنزٌ يخشى عليه من الضياع. وهذه الأبيات الشعرية تنقل لنا حواراً مؤثراً بين الإنسان وقلبه، حواراً يفيض بالحنين والوفاء والحزن النبيل، حيث يقف الشاعر متعجباً من قلبٍ لم يتعلم النسيان، ولم يرضخ لقانون الزمن الذي يطوي كل شيء إلا الذكريات الصادقة.

هذه الأبيات لا تتحدث عن حنين عابر أو ذكرى مؤقتة، بل تصف حالة إنسان يعيش مع ذاكرته كما يعيش المرء مع ظله؛ لا يستطيع الانفصال عنها مهما امتد به الزمن. الشاعر يخاطب قلبه كما لو كان شخصاً آخر، يراجعه ويعاتبه ويسأله عن سر هذا الوفاء الطويل لوجع الماضي، فيتحول القلب في القصيدة إلى خزانة أسرار لا تُغلق، وإلى مقبرة للذكريات الجميلة والمؤلمة في آن واحد.

القلب الذي لا ينسى

يبدو أن بعض القلوب خُلقت لتنسى، وبعضها الآخر خُلقت لتحفظ. وفي هذه الأبيات يقف الشاعر أمام قلبه متعجباً من قدرته العجيبة على الاحتفاظ بكل ما مرّ به من مشاعر وصور وأشخاص، وكأن الزمن لم يمر عليها قط. يقول:

“يا قلب ما عندك دفاتر ولا أقلام وشلون دائم تحتفظ بالحنيني”

منذ البداية يضع الشاعر سؤالاً عميقاً يحمل في طياته دهشة وحيرة. فالقلب لا يكتب في دفاتر، ولا يدوّن في أوراق، لكنه يحفظ أدق التفاصيل التي تعجز عنها الذاكرة أحياناً. يحتفظ بنبرة صوت، وبرائحة مكان، وبصورة وجه غاب منذ سنوات طويلة. وكأن القلب يمتلك أرشيفاً خفياً لا تصل إليه يد النسيان.

ثم ينتقل الشاعر إلى مقارنة بين قلبه وقلوب الآخرين:

“يا قلب الناس نسيت اللي مضى العام وأنت ما تنسى اللي مضى من سنيني”

وهنا تتجلى مأساة الإنسان الحساس. فالناس تمضي في حياتها، تتجاوز أحداث الأمس، وتطوي صفحاتها القديمة، أما قلب الشاعر فما زال يعيش سنواته الماضية بكل تفاصيلها. إنه لا ينسى الأشخاص الذين أحبهم، ولا الأماكن التي سكنها، ولا الأحلام التي رحلت قبل أن تكتمل. وكأن الزمن عنده لا يمحو، بل يرسّخ، ولا يضعف الذكرى، بل يمنحها عمقاً أكبر.

وفي الأبيات التالية يصل الحنين إلى ذروته حين يقول:

“يا قلب ما تناسيت طولات ليام ولا تنسى اللي تحت اللحد ساكنيني”

هنا يتحول الحنين من ذكرى الماضي إلى شوقٍ للموتى. فهناك أشخاص غابوا عن الحياة واستقروا تحت التراب، لكنهم لم يغيبوا عن القلب. وهذه من أقسى صور الشوق التي يمكن أن يعيشها الإنسان؛ لأن اللقاء أصبح مستحيلاً في الدنيا. فالشوق إلى الحي يحمل أملاً في اللقاء، أما الشوق إلى الميت فيحمل يقين الفقد.

ولعل أجمل ما في هذه الصورة أن الشاعر لا يتحدث عن مجرد تذكر الموتى، بل عن استمرارهم في الحياة داخله. أجسادهم تحت اللحد، لكن أرواحهم ما زالت تسكن ذاكرته. يجلس معهم في وحدته، ويستحضر ملامحهم في لحظات الصمت، ويبحث عنهم في الأماكن التي كانت تجمعه بهم. وهكذا يصبح القلب بيتاً آخر لمن رحلوا.

ثم يوجه الشاعر سؤالاً موجعاً إلى قلبه:

“يا قلب ليه عايش بالحطام”

إنها لحظة مواجهة صريحة. لماذا ما زال القلب واقفاً وسط أنقاض الماضي؟ لماذا لا يغادر الأماكن المهجورة في روحه؟ لماذا يصر على بناء حياته فوق ذكريات انتهى أصحابها ورحلت أيامها؟

الحطام هنا ليس حجارة مهدمة، بل هو بقايا الأحلام والوعود والعلاقات والسنوات الجميلة التي تحولت إلى ذكريات. فالإنسان أحياناً لا يعيش في واقعه، بل يعيش في أطلال ما فقده. يعود كل يوم إلى الماضي، ينفض الغبار عن الصور القديمة، ويستعيد المشاهد نفسها، وكأنه يخشى أن يخون ذكرياته إذا نسيها.

لكن الشاعر مع كل هذا العتاب لا يهاجم قلبه، بل يبدو أنه يفهمه في أعماقه. فالقلب الذي يتألم كثيراً هو نفسه القلب الذي أحب كثيراً. والقلب الذي يحفظ الموتى هو ذاته القلب الذي منحهم مكانة كبيرة في حياته. ولذلك فإن هذه الأبيات ليست شكوى من الحنين بقدر ما هي اعتراف بسطوته.

ويأتي البيت الأخير محملاً بمرارة التساؤل:

“خبرك لطيب المنازل فطيني”

وكأن الشاعر يسأل قلبه: هل لا تزال تتذكر تلك البيوت التي كانت عامرة بأصحابها؟ هل ما زالت صور الأماكن الجميلة تسكنك؟ هل ما زالت المجالس القديمة والوجوه المألوفة والأيام الهانئة حاضرة في داخلك؟

إن المنازل هنا ليست جدراناً وسقوفاً، بل رمز للحياة الماضية بكل ما فيها من دفء وألفة وأمان. فحين يرحل الأحبة تفقد الأماكن روحها، وتصبح البيوت مجرد هياكل صامتة. لذلك لا يحن الإنسان إلى المكان نفسه، بل إلى من كانوا يملؤون ذلك المكان حياةً وفرحاً.

وفي النهاية ترسم هذه الأبيات صورة إنسان يحمل وفاءً نادراً للماضي. قلبه لا يعرف الخيانة للذكريات، ولا يجيد فن النسيان الذي يتقنه كثير من الناس. إنه يعيش بين الحنين والفقد، بين الذكرى والواقع، وبين الحب والغياب. وربما كانت عذوبتها الحقيقية تكمن في هذه الحقيقة الإنسانية الخالدة: أن بعض الأشخاص لا يرحلون حقاً، بل ينتقلون من مقاعد الحياة إلى غرف القلب، وهناك يبقون سنوات طويلة لا تمحوهم الأيام ولا يطويهم الزمن. فالقلب الذي أحب بصدق قد يتعب، وقد يحزن، وقد يعيش بين الحطام، لكنه يظل شاهداً أميناً على كل من مروا فيه وتركوا أثراً لا يموت.

خاتمة

وفي نهاية المطاف لا يبدو أن الشاعر يبحث عن علاجٍ لذاكرته أو مخرجٍ من حنينه، بل يبوح بحقيقة إنسانية عميقة مفادها أن الحب الصادق لا يموت بموت أصحابه، وأن بعض الأشخاص حين يغادرون الدنيا يأخذون معهم جزءاً من أعمارنا ويتركون داخلنا فراغاً لا يملؤه أحد. لذلك يبقى القلب واقفاً على أطلال الذكرى، يفتش بين ركام السنين عن صوتٍ كان يؤنسه، ووجهٍ كان يطمئنه، وبيتٍ كان عامراً بمن أحب. وربما كان أجمل ما في هذا الوفاء المؤلم أن صاحبه لا يزال يحمل الراحلين في دعائه ووجدانه، وكأن الموت استطاع أن يغيّب الأجساد لكنه عجز أن ينتزع المحبة من القلوب. فهناك أناس لا يرحلون حقاً، بل ينتقلون من الحياة إلى الذاكرة، ومن الذاكرة إلى الدعاء، ومن الدعاء إلى الخلود في أعماق الروح، حيث يبقون ما بقي القلب ينبض بالحياة.