* وكِلاهما كان في عهده مظهَراً لمجتمع جديد وحاجات جديدة، فراح يهدم ويبني، فعادَوه وتألّبوا عليه، فثَبتَ لهم كالطود الراسخ وازداد بالحقّ إيماناً!
* وكِلاهما جابَة الطغاة والوجهاء وكانزي الذهب وأهل السلطان وأصحاب الجيوش، بسلامة الفطرة الإنسانية، وقدرة العقل وحرارة القلب ووهج الضمير والإيمان بخير الحياة!
* وكِلا الرجلين تراث للإنسانية عظيم!
قد يتساءَل المرء ومن حقّه أن يتساءَل لماذا نتحدّث عن سقراط ونحن نسوق الكلامَ على ابن أبي طالب وما عاصَرَ سقراط عليّاً وما كان عربيّاً ولا مسلماً أو مسيحياً. بل تَقَدمه في الزمان وكان إغريقيّاً وثنياً!
وعن هذا التساؤل نجيب قائلينَ إنّا عمدْنا إلى هذا الحديث عمداً لأنّ سقراط لم يعاصر عليّاً ولم يكن عربيّاً ولا مسلماً أو مسيحياً! وما ذاك إلا لإظهار أمر لم نتعوّدْ بعدُ أنْ نتمرّس به كثيراً وهو أنّ الحقيقة واحدة، وأنها لا تدنو منّا ولا تبعد عنّا بمقاييس العصور والجنسيّات والأديان. وعلى ذلك يكون سقراط العظيم أخاً لعليّ العظيم بما يلفّ كلَّ عصر وكلّ جنسيّة وكلّ
دين، ألا وهْو الإنسانية المؤمنة بالإنسان المبدع، وقِيَمَ الحياة الثابتة، وخيرِ الوجود الشامل، إيماناً يحمل صاحبه على أن يلاقي الموتَ في سبيله عازماً صابراً باسماً يقول: ((أنا إلى الموت، وأنتم إلى الحياة)) (آخر كلمة قالها سقراط قبيل موته)، أو يقول: ((أنا بالأمس صاحبكم، وأنا اليوم عبرةٌ لكم، وغداً مفارقكم، غفرَ الله لي ولكم) (آخر كلمة قالها على قبيل موته).
وإنّ عليّاً وسقراط وإنْ باعدت بينهما ظروفٌ ومناسباتٌ وأزمان، لتجمع بينهما آفاقُ الكاملين من أبناء آدم وحوّاء، أولئك الذين ما عملوا عملاً إلا رأينا فيه صورةَ الإنسان المتفوّقِ العظيم في كلّ أرض، وما قالوا قولاً إلّا أصغينا فيه إلى ضمير الإنسان المتّحد بعدالة الوجود وقِيَم الحياة!
وإذا كان من العظماء قومٌ يتآلفون ويتآخون ويخدمون حقيقةً واحدة في جوهر ما يعيشون ويقولون ويعملون دون المشابهة في الجزئيات والتفاصيل، لاختلاف الأزمنة والأحداث والمناسبات، فإنّ عليّاً وسقراط يخدمان حقيقةً واحدة في جوهرِ ما قالا وما عمِلا، ثمّ يتشابهان حتى في الجزئيات وهذه التفاصيل، أو في معظمها على الأقلّ. وإليك ما نحسبه مبرّراً لما نقول:
إنّ شيئاً من الجهد في دراسة الرجلين يأذن لنا بأن نقسم وجوة الشبه بينهما قسمين رئيسيّين: الأوّل عامّ والثاني خاصّ.
أمّا العامّ فنوجزه بما يلي:
إنّ كلّاًّ من الرجلين مظهرٌ كريمٌ للإرادة الفذّة الصابرة والإيمان العميق بخير الوجود المطلق وخير الإنسان، ورمزٌ للحنين السامي الذي تعانيه نفوس الآدميّين ساعةً يستشعرون تَوْقاً خفيّاً إلى توحيد الكون في قيمة واحدة شاملة تنبثق منها كلّ حقيقة. ثمّ إنّ كلّاًّ من الرجلين صورةٌ حيّةً خالدة عن تجمّع المثُل الإنسانية العليا في إنسان، ووحدةٌ تامّةٌ من العقل والقلب والضمير تسعى في تركيز أصول عامّة يحيا عليها الفرد المهذّب، ويقوم عليها بناء الدولة المهذّبة، فأركانُ الإنسانية الواحدة المهذّبة وإنّ أخبار كلّ من سقراط وعليّ وأخبار أخصامه، لتمثّلُ أروعَ تمثيل قصّة الصراع بين النور والظلمة في تاريخ البشر، أو قُلْ بين الحق والبطْل، أو العدالة والغبن، أو الحياة المتطورّة الفاتحة والجمود الآسن الفاسد!
أمّا الثاني وهو الخاصّ، فإليك جملة مظاهره:
إنّ كلّاَّ من سقراط وعليّ برزتْ فصول حياته العامّة في بلد كثرَ فيه الوجهاء والمستغلّون وطلّاب الحكم وأنصارهم والمستنفعون بهم، وفي عهد عمّتْ فيه الفوضى علاقاتِ الحاكم بالمحكوم وانحرِفتْ مقاييس التصرّفات والأخلاق العامّة واستَشْرتِ الفرديّةُ لا تحسب إلّا لنفسها حساباً.
وكلاهما نشأ قبل ذلك نشأةً حسنة عن طريق الاتّصال المباشر بعظيم أو عظماء. وكأنّ القدر شاء أن تكون نشأة كلِ منهما في عصر حروب تستمرّ ولا تهدأ فكان سقراط محارباً عنيداً يهابه الخصم ويستذري منه بسواه، وكذلك كان عليّ. وكان سقراط شجاعاً قلما تحدّث الرواةُ عمّن يساويه في مرتبة الشجاعة أو يدانيه، وكذلك كان عليّ. وكان سقراط يؤثر من العيش ما كان خشناً قاسياً، وكذلك كان عليّ! أمّا الزهد والتقشّف في جملة أحوال العيش فأخبار الرجلين فیہما معروفةٌ لا تحتاج إلی عرض جدید.
وكلاهما شعر بمسؤوليّة العقل والضمير نحو المشرّدين والمغبونين والمستضعَفين والمضلّلين، فوقَف حياته لهداية هؤلاء ورفْع الحيف عن هؤلاء حتى قضى شهيداً وفي يده ألّا يقف هذا الموقف لو شاءَ وألّا يستشهد!
وكلاهما حارب الطغاةَ وأهل البغي وأصحابَ الوجاهات والمستنفعين بضعف الضعيف وجهل الجاهل حرباً لا هوادة فيها، فتألّبوا عليه وضايقوه وهدّدوه كلّ يوم بموت جدید، حتى إذا وعدوه بالسلامة والعافية إنْ هُوَ هادنَ أو لانَ أو غضّ عن منكراتهم عينيه أبى إلّا الاستقامةَ مسلكاً وإلّا الضمير مُرشداً وإلّا العقلَ هادياً ودليلاً! فإذا بالحقّ لم يترك لسقراط نصيراً إلّا ممّن أضاءَ طريقَهم وحيُّ الحياة وهدتهم الفضيلة. وإذا بالحقّ لم يترك لعليّ معيناً إلّا نفراً ممن سما بهم الحبّ وتحرّكتْ في نفوسهم المروءات.
وكلاهما عُنيَ بالظواهر العامّةِ التي توجز حياة عصره الروحيّة، ومضمونَ حياة الناس، فدرسها وعلّلها وقوّم منها جاهداً ما استطاع طِوال أيامه.
وكلاهما كان في عهده مظهراً لمجتمع جديد وحاجات جديدة، فتصدّى للأحوال العامّة يريد تبديلها، وللتقاليد التي توارَثَها الوجهاء أو استحدثها المستوجهون يهدّم منها ما كان ليبني مكانَها ما يجبُ أن يكون. وهكذا عُدّ سقراط ثائراً وهو ثائرٌ بالفعل، وكان عليّ ثائراً وإن لم ينعتوه بما نُعت به أبداً كبار المصلحين عبر مراحل التاريخ!
وكلاهما كان خطراً على طبقات معيّنة من المستنفعين بالأحوال الراهنة، فما كان منهم في أثينا إلّا أنْ لفّقوا التّهمَ ضدّ سقراط مفترين ظالمين. وما كان منهم في الحجاز والشام إلّا أنْ لفّقوا التّهمَ ضدّ عليّ معتدين آثمين! ويا لغرابة الصدفة في اتّهام سقراط بتضليل الأثينيين وإغرائهم بالتمرّد على السلطان وأحكام الزمان، وفي اتهام عليّ بتضليل الكوفيين وأبناء الأمصار وإغرائهم بالتمرّد على عثمان ومشورة مروان! ويا لغرابة الصدفة في تكفير سقراط على لسان المستهترين من حكّام الأغارقة وأنصارهم وأولئك السفسطائيين والمتعادين المتنافرين الذين ألّفتْ بينهم مصالحُ هزيلةٌ رعناء، وفي تكفير عليّ على لسان المستهترين من حكّام العرب والوجهاء وأنصارهم والمتعادين المتنافرين الذين ألّفتْ بينهم مصالحُ أو غوايات! وإذا شئتَ أن
تعرفَ بِمَ كفرَ سقراط، فاسأل ميليتوس وأنيتوس وليكون والسفسطائيين جميعاً (١). وإذا شئتَ أن تعرف بمَ كفرَ عليّ، فاسأل معاوية ومروان والأمويين والخوارج ومن إليهم!
وكِلاهما جابه الطغاةَ في كلِّ ميدان وعلى كلِّ صعيد، وحطّم نفاق السياسيين في زمانه وفضح نواياهم، وأخرج السياسة من نطاق التهريج إلى نطاق جديد صحيح هو العمل في سبيل الجماعة عملاً يرتكز على المعرفة وهي قاعدة الفضيلة.
وكِلا الرجلين ألحّ على الرسالة الاجتماعية الملقاة على كواهل المفكرين والحكماء والفلاسفة، وجَعَلهم وحدَهم حكّام الناس وقادة البشر. وكلّ حكم في مذهبه لا يكون صاحبُه مفكّراً حكيماً فيلسوفاً هو اغتصابٌ أحمق وعملٌ تافهٌ وحكمٌ سخيف!
وكلاهما جابَة الماجنين والأثرياء والأقوياء وأهل السلطان وكانزي الذهب وأصحاب الجيوش وذوي المكر والدهاء، بسلامة الفطرة الإنسانية، وقدرة العقل وحرارة القلب ووهج الضمير والإيمان بخير الحياة!
وكِلا الرجلين لم يحكم على معارضيه ومناوئيه بسوء، إفساحاً في المجال أمام الرأي الحرّ، وتهديماً عمليّاً للفكرة التي عاش في ظلالها حكّام التاريخ وأكثر مفكّريه، وتقول بأنّ الظلم من شِيمَ النفوس!
وكِلا الرجلين تزعّم في تاريخ الفكر والروح لأمّة من الأمم، أو لأكثر من أمّة، طورَ الأستاذيّة فكان له في حياته تلاميذُ وأنصارٌ هلكوا بضلال زمانهم، وتلاميذ وأنصارٌ آخرون حملوا رايته بعد موته فعاشوا في ظلّها أو قضوا لا فرقَ لديهم بين موت وحياة! وكِلاهما أحدث انقساماً في الآراء والمذاهب قلّما أحدث مثلَها بشرٌّ من قبلُ أو من بعد!
وكِلا الرجلين فهمَ الإله وأدركه وأحبّه على نحو واحد سوف نتحدّث عنه كما نراه!
وما أحلى أن نوجز قائلين: إنّ كلاًّ من عظيم أثينا وعظيم الكوفة آثر الصدقَ حيث يضرّه على الانحراف حيث ينفعه بمقاييس العاديين من الناس، وكان مثالاً يُحتَذى في المروءات كلّها، ومثلاً أعلى للشجاعة الأدبية التي يعتزّ بها تراثُ الإنسان، ونبيّاً لم يكترث إلّا بالحِقّ ولم يَهَبٍ الموت في سبيله. وإن كلاّ من عظيم أثينا وعظيم الكوفة جَعَلَ العِملَ والقولَ شيئاً واحداً فلم يفصل بين هذا وذاك، وجَعَلَ همّه الأوّل الإنسانَ وخدمتَه. وإنّ كلاَّ منهما كان واسع العلم، قويّ الحجّة، رضيّ الخلق، حليم الطبع، صلب العزيمة، فائق الجرأة!
وبعد أن عرفنا من صفات عليّ بن أبي طالب ما عرفنا، يعنينا في خاتمة هذه التوطنة أن نذكر شيئاً من صفات سقراط لعلّ فيها ما يجلّي وجوه الشبه بين الرجلين بصورة عامّة وخطوط عريضة. وممّا جاء في وصفه على ألسنة معاصريه وتلاميذه ودارسيه، هذه الإجماليّات:
سقراط شيخ فلاسفة اليونان، وأعظم حكمائهم خطراً، وأكبرهم شأناً، لم يعرف التاريخ قبله في إغريقيا أحداً أغزر منه علماً، ولا أعمق بحثاً، ولا أدقّ تفكيراً، ولا أسلم منطقاً، ولا أجلٌ نفساً، ولا أعظم حكمةً، ولا أكثر تواضعاً، ذلك هو إمام المفكّرين ونبراس الباحثين، أبو الفلسفة الأوّل ونصيرها الأجلّ!
سقراط الذي حوّل تيار الفلسفة من البحث في النظريّات الجدليّة إلى المعرفة الإنسانية وتحديد الفضيلة الخلقية، ومدّ أغصان دوحتها حتى جعلها تتناول علم الأخلاق كجزء منها!
سقراط الذي ضحّى بحياته في سبيل إيمانه بمبدئه، وآثر مغادرةً الحياة على العدول عن عقيدته التي كانت تجري من نفسه مجرى الدم من الإنسان.
فإلى الكلام على عظيم أثينا وعظيم الكوفة، عملاقَي العقل والقلب والضمير!
(١) الثلاثة الأولون هم الذين دفعهم خصوم سقراط إلى تلفيق التهم ضده وفيها كفره وإلحاده المزعومان. أما السفسطائيون فأمرهم معروف، وسوف يأتي عليهم الكلام.
