صبر أيوب

صبر أيوب:

وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (41) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ ۖ هَٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (42) وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَىٰ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (43) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ وَلَا تَحْنَثْ ۗ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا ۚ نِّعْمَ الْعَبْدُ ۖ إِنَّهُ أَوَّابٌ (44)

الآيات من ٤١ – ٤٤ من سورة ((صّ))

معاني المفردات والجمل:

مسن: آصابني.

اركض برجلك: اضرب بها الأرض.

هذا مغتسل: هذا ماء تغتسل به.

ضِغْئاً: قبضة من أعواد القش ونحوه.

ولا تحنث: ولا ترجع عما حلفت عليه.

الشرح:

كان أيوب عليه السلام، من عباد اللّه الصالحين، وأنبيائه المخلصين، حباه الله بنعم وفيرة فالمال الذي يملكه كثير، وأنواعه عديدة، فمن زراعة إلى عَقار إلى أنعام وذهب وفضة، ووفرة في الأهل، وكثرة في الأولاد، لا يبيت ليلة، ولا يقر له جنب حتى يطمئن إلى أن كلَّ من حوله من الناس، قريبا كان أو بعيدا، وبخاصة أهل الحاجة من الفقراء إلا وقد قضيت وسدت حاجته، ووصله ما يكفيه.

وكان مثلاً في قومه للخلق الكامل، والصلاح والتقوى، وكان محبوباً مُهاباً وقد أمر الله سبحانه وتعالى رسوله – محمداً عليه الصلاة والسلام – أن يذكر قصة أيوب لقومه ليعتبروا بما فيها، وكذلك ليخفَّ عن رسول الله ((صلى الله عليه وسلم)) وقعُما يلاقيه من قومه.

فلقد أصبح أيوب ذاتَ يوم، وقد ضاع منه كلُّ شيء. فالأموال ذهبت وتبدَّدت، والأهل والولد ماتوا وتفرقوا عنه، وتشتتوا في الأرض، وبعد أن كان قويا فتيا أقعده المرض، واشتد به البلاء فلم يعد قادرا على الحركة ولا على النطق.

ولم يبق من حوله سوى زوجه، ونفر قليل من أصحابه، لا يجدون حيلة معه، ولا وسيلة تعيد إليه صحته، أو تدفع الضر عنه.

وهو صابر لبلاء الله والمحنة التي وقع فيها.

ولقد وسوس الشيطانُ لزوجه وصحبه: أنّ أيوب لو كان قريبا من ربه ما أصابته هذه المحنة، ولا وقع في. هذا البلاء، فنقلوا ذلك إليه، وأسمعوه إياه، فاشتد وقعُ ذلك عليه، وتضاعف ألمه، وأدرك أن الشيطان يحاول أن يُفسد عليه زوجته وصحبه بعد أن عجز عن الوصول إليه، وزعزعته، وزحزحته عن طريق الإيمان، وإخراجه عن صبره واحتسابه فعزم في نفسه وأقسم لإن شفاه الله سبحانه وتعالى، وكشف ما به من بلاء ليضربتَّها عددا من الضربات جزاء استماعها للشيطان، وزعزعة ثقتها في قربه من الله، وصدقه معه.

فتمنى على الله أن يحل عقدة لسانه، وجأر إلى الله بالدعاء، واستغاث به قائلا: إن الشيطان يُفسد عليَّ مَن حولي ، فيضاعف مشقتي وتعبي، ويزيد من عذابي وألمي. فأمره الله سبحانه أن يضرب الأرض برجليه، فيتفجر ماء يغتسل منه، فيزول ما بجسده من بلاء ومرض، ويشرب منه فتعود إليه صحته، ويرجع كما كان قويا فتيا.

فبادر أيوب إلى ذلك، وسارع إليه، وتحقق له ما وُعد به، وردّ الله عليه أهلَه وماله وتضاعف من حوله المال والولد، إكراماً لصبره الطويل على بلاء الله واختباره، وجزاء له على ثباته على اليقين والإيمان، ورحمة من الله بعبد أخلص قلبه له، ولم يملك الشيطان أن ينفذ إليه.

ثم يتبين لنا من خلال هذه القصة حتى الآن: أن العبرة يجب ألا تغيب عن أصحاب العقول والفطنة، من أن اللجوء إلى الله في كل أمر من الأمور عاقبتُه خير وفلاح وتأييد من الله ونصر، وأن المحن التي تمر ببعض الناس ليست دليلا على غضب الله أو تقصيرهم في حقه، وإنما هي امتحان للصبر والإيمان والثبات.

جاءت امرأة أيوب تحمل إليه بعض الزاد فلم تجده في مكانه، ووجدت على مقربة منها رجلا فتيا قويا. سألته عن المريض المُقْعَد. فدلّها على نفسه، فأذهلها ما رأت، ولم تصدِّق عينيها، فكشف لها عن دعائه، وبين لها أن الله لا يضيّع عباده الصالحين. وما كادت تسمع منه ما سمعت حتى ندمت على استماعها لوسوسة الشيطان، وندمت كذلك – على نقلها وسوستَه لأيوب عليه السلام.

نظر أيوب عليه السلام إليها، وأراد أن ينفذ قسمه، ووقف مترددا. كيف يضربها وقد قامت على رعايته بإخلاص وتفانٍ، مدة محنته الطويلة ولم تدخر طاقة ولا جهدا في سبيل تأمين حاجته من الطعام والدواء، حتى قامت بالخدمة في البيوت بالأجر وصادفتها خلال ذلك كثير من المصاعب والمتاعب والمضايقات.

تأمل أيوب عليه السلام ذلك كلّه، وفكّر كيف يَبَرُّ في يمينه، وينفذ قسمه؟ فهداه الله – سبحانه وتعالى – إلى أن يأخذ مجموعة من العيدان والحشائش بعدد الضربات التي حددها ثم يضربها بها ضربة واحدة، وبذلك يكون قد بَرَّ بقسمه، ولم يوقع بها ألما أو يسبب لها أذى.

وقد امتدح الله سبحانه وتعالى أيوب عليه السلام، بأنه عبد صالح، امتُحِنَ فصبر على امتحان الله له، ولم يتزحزح خطوة مع شدة البلاء، وقسوة الامتحان عن صدق الإيمان، وثبات اليقين.

من أجل ذلك كان إكرام الله له، وكشفه الضر عنه، وإيجاد المخرج له في إنفاذ قسمه، كما وصف عليه السلام بأنه – فوق صلاحه وجميل صبره – كثير الرجوع إليه سبحانه في جميع شئونه، وفي كل وقت من أوقاته.