عليّ بن أبي طالب فذّ من أفذاذ العقل. وهو بذلك قطب الإسلام وموسوعة المعارف العربية. ليس من علم عربيّ إلّا وقد وضع أصله أو ساهم في وضعه. أمّا بلاغته، وأمّا عبقريته في الاجتماع فسيأتي عليهما قولٌ كثير. أمّا علومه ومواهبه في الفقه والقضاء والعربية وما إليها فهي التي سنتحدّث عنها في هذا الفصل موجزين، مضافاً إليها ما اقتُضيت إضافته من الكلام على حكمته. وإنّا إذا أوجزنا القول في هذه السعة من ثقافته ومواهبه فلأنّ القائلين فيها كثير، ولأنّ الباحثين قد أوسعوها درساً. وغايتنا في هذا الكتاب أن نختصر حيث أسهبوا، ونُسهب حيث أوجزوا أو أهملوا. ولنبدأ بالكلام على القرآن والحديث، ثم على غيرهما، لندرك إلى أيّ مدىً بعيد أصاب النبيّ في وصفه علياً ساعة قال: ((أنا مدينة العلم وعليّ بابها)).
رُبّي عليّ بن أبي طالب برعاية النبي ابن عمه وتتلمذ له، وورث أخلاقه وأسلوبه في النظر إلى الحياة والخلق، وجرى الميراث في قلبه وعقله سواء بسواء. وعكف على دراسة القرآن دراسة المتبصّر الحكيم الذي ينفذ إلى لباب الأشياء فيعي حقائقها ويستوحيها، وقد أتيح له أن ينصرف إلى هذه الدراسة العميقة النافذة خلال الزمن الطويل الذي استخلف فيه أبو بكر فعمر وعثمان، فإذا هو يتقن القرآن نصّاً ويحياه جوهراً فيستقيم به لسانه كما يستقيم جنانه.
أمّا علمه بالحديث فلا يُشقّ له فيه غبار، وليس في ذلك ما يُستغرب وقد رافق الإمامُ النبي أطوَلَ زمن رافقه فيه مجاهدٌ أو صحابي، فسمع منه ما سمعه الآخرون وما لم يسمعوه. ويقال: إن علياً لم يكن يروي من الحديث إلا ما سمعه بنفسه من الرسول لأنّه كان مطلق الإيمان بأنّ كلمةً واحدةً من حديث النبي لم تفت قلبه وأذنيه.
وقيل لعليّ: ما لك أكثر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم حديثاً؟
فقال: ((إني كنتُ إذا سألته أنبأني وإذا سكتّ ابتدأني)).
من كتاب علي صوت العدالة الإنسانية
جورج جرداق
