أبو طالب

حين حُرم الرسول من حدْب الأب وحنانِ الأم، كفِله جدّه – وجدّ عليّ – عبد المطلب الهاشمي. وكان جده يحبه ويفديه بنفسه. وكثيراً ما حدّث جلساءَه وهو ينظر إلى حفيده، بأنه سيكون لهذا الطفل شأنٌ عظيم. وقد رفعه جده، مع صغر سنه، وأقعده في مجلسه العام، دون أعمامه، في ظلال الكعبة.

ولما توفي جدّه، كفله عمه أبو طالب – والد عليّ -فاستمر الغلام يحيا في جوّ الحنان والدعة وحسن التربية الذي خلّفه الأب الراحل للابن المقيم.

أمًا كيف كفِله أبو طالب بعد أبيه وهو أشدّ إخوته عوزاً وأكثرهم بنين، فلأنّ أباه عبدالمطّلب حين احتضر للموت دعا أبا طالب وخصّه دون سائر أبنائه بشرف هذه الكفالة وهذه الرعاية. وقصّة هذا الاختيار مقبولةٌ معقولة. فعبد المطّلب يعرف أبناءه واحداً واحداً ويُدرك من حقيقتهم ما بدا وما خفي. وهو ما اختار أبا طالب إلّا استئناساً بما يعرف من أمره وما يُدرك. فإنّ الحنان والعطف وإنْ كان لأكثر وُلْد عبدالمطّلب منهما نصيب، لم يبلغا في قلوبهم من القوة والبعد ما بَلَغا في قلب أبي طالب. وأثر الحنان والعطف في حُسن الكفالة والرعاية أظهرُ من أثر المال. لذلك كله اختار أبا طالب أبوه لرعاية محمد. أضِفْ إلى هذا أن أبا طالب كان يضمر من العطف على ابن أخيه ما يدفعه دفعاً إلى رعايته وإن لم يكلّفه ذلك أبوه. فكيف إذا اجتمع هذا العطف وهذا التكليف.

وما لا مراء فيه أن أبا طالب صاحب شخصية جميلة ومحبّبة. شخصية جميلة تطالعنا بحكمة الشيخ الطيِّب الأمين المجرّب الذي يضع كل ما أوتي من طيبة وأمانة وتجربة موضعَ العمل والتنفيذ في کل حال.

وهذه الصفات التي يستجليها شيئاً فشيئاً كلّ من اطّلع على سيرة هذا الشيخ الجليل، هي التي أدركها القرشيون من أهل الجاهلية ساعة قالوا فيه: (قَلّ أن يسود فقيرٌ وساد أبو طالب). وفي هذا القول إشارة صريحة إلى نظر أهل مكة قبل الإسلام إلى شؤون السيادة وكيف أنها لا تُصرِّف إلّا على أيدي الأغنياء. وفيه كذلك إشارة صريحة إلى عظمة خُلق أبي طالب التي هيّأته بالرغم من فقره إلى أن يسود ويعلو رأيُه آراءَ الأثرياء.

واستمرّت الأخلاق الخيّرة التي يتميّز بها بيت عبدالمطلب تتركز في نفسية محمد وتبدو في تصرّفاته، حتى لكأنّ الله لَمّا اختار رسوله من بني عبدالمطلب اختار لتنشئته هذا العمّ الكريم. وكأنّ قوة الوجود الشاملة هيَّأت لأبي طالب أن يعلم من أمر ابن أخيه ما لا يعلمه سواه. فإذا هو يخرج بالصبيّ في يوم قحط وجدب، ويطلب إليه برفق ولين أن يلصق ظهره بالكعبة. فإذا الصبيّ يفعل ما طَلب إليه عمّه، ويلوذ بإصبعه نحو السماء وما في السماء آنذاك غيمةٌ أو قَزَعَةٌ من غيم. فإذا بالسحاب يُقبل من هنا ومن هنا، فيهطل المطر، فيخصب الوادي وتحيا الأرض. فلما سئل أبو طالب عن هذا الصبيّ قال: هو محمد ابن أخي وفيه أقول:

وأبيض يُستسقي الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمةٌ للأرامل

ومهما يكن من شأن هذه الرواية، فهي رمزٌّ إلى مقدار عظيم من التحابّ وتعاطي الخير بين الصبي وعمّه.

ويستمرّ أبو طالب في شرف خدمة هذا الصبي. ويبادله الحنان والمودّة والعطف. ويرافقه دائماً فلا ينام إلّا إلى جنبه ويخرج فيخرج معه. وكثيراً ما تهطل عيناه بالدمع ساعة ينظر إليه مشفقاً قائلاً: إذا رأيتُه ذكرتُ أخي أباه.

ويتهيّأ أبو طالب للرحيل إلى الشام في ركْب للتجارة. فحين يعزم على المسير ينظر إليه محمد ويقول: ((يا عمِّ، إلى مّن تكلُّني لا أب لي ولا أمّ!» فيرقّ له أبو طالب ويردفه خلفه ويقول: (والله لأخرجنَّ به معي لا يفارقني ولا أفارقه أبداً).

وهكذا يأبى أبو طالب إلّا أن يكون محمدٌ رفيقَ سفر له إلى الشام وهو ما يزال في حدود الرابعة عشرة أو ما يقلّ، فيمِرّان بمدْين ووادي القرى وديار ثمود، ويقفان من بلاد الشام عند جنائن الأرض، ويلبثان معاً يشهدان الطبيعة الحيّة والصامتة، يشهدان الشمس تسبحُ في صفاء السماء ويُشرق وجهها فوق ما ترامى من الأرض وأطرافِها، حتى إذا استوت في مكانها من الفضاء اللانهائي العجيب، لبثتْ قليلاً ثم راحت تهوي إلى جانب من الكون مجهول! وهي إذا لملمتْ آخر شعاعاتها وغاصت وراء تُخوم الأرض، أقبل الليل يمتدّ ويسودّ ويُلبس كل شيء من نفسه ظلاماً لا يُزهّيه إلّا وميضٌ ليِّنٌّ من نجوم السماء!

فإذا ما بنفس أبي طالب من معاني الطبيعة يشفّ في نفس محمد، فإذا هي جزء من ذاته يتكوّن وينمو تحت نظرة العمّ المحب. وإذا كلّ ما في الطبيعة من مُوحيات الكآبة والحزن، والفرحة والغبطة، والبساطة والعمق، يتجاوب في كيان محمد ويمثلُ فيه روحاً إنسانياً ومعانيَ كونیّة.

أجل، كأنّ قوة الوجود الشاملة أرادت لهما أن يستيقظا معاً في وحدة الطبيعة وامتثال النجوم، على روعة الخلق وفتنة الوجود. وعلى جمال الأزل والأبد يجتمعان في كواكب السماء، وشفوفِ الأثير، وحركة الأرض، وَصخب الحياة!

الإمام عليّ صوت العدالة الإنسانية / ج ١

جُورج جُرداق